الانشقاق العظيم

من أرابيكا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الانشقاق العظيم

الانشقاق العظيم، ويُسمّى أحيانًا انشقاق الشرق والغرب، أو انشقاق العام 1054، هو انقسامٌ أصاب الجماعة الدينية المسيحية التي انقسمت إلى ما أصبح يُعرف الآن باسم الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، الجماعة التي استمرت حتى القرن الحادي عشر. يُعتبر الانشقاق تتويجًا للخلافات اللاهوتية والسياسية بين الشرق المسيحي والغرب المسيحي والذي تعمّقت هوّته خلال القرون المتعاقبة.[1]

سبق الانشقاق العظيم الذي وقع بشكل رسميّ في العام 1054، العديد من الخلافات الكنسيّة والنزاعات اللاهوتية بين الشرق الإغريقي والغرب اللاتيني. كان من بين هذه الخلافات البارزة مسألة انبثاق الروح القدس، ومسألة ما إذا يجب استعمال الخبز المخمّر في الأفخارستيا (القربان المقدّس) أم لا، وأحقية ادعاء بابا روما بامتلاكه سلطة بابوية عالمية، وموقع بطريرك القسطنطينية المسكوني فيما يتعلق بالنظام البطريركي الخماسي.[2][3][4][5]

في العام 1053، اتُّخذت أول الخطوات التي أدّت إلى الانشقاق الرسمي: إذ عُرِض على الكنائس الإغريقية في جنوب إيطاليا إمّا أن أن تلتزم بالممارسات الكنسيّة اللاتينية أو تُغلَق. ردّاً على ذلك، أمر بطريرك القسطنطينية المسكوني ميخائيل سرولاريوس الأول بإغلاق جميع الكنائس اللاتينية في القسطنطينية. في العام 1054، سافر وفد أرسله البابا ليو التاسع إلى القسطنطينية لأسباب تتعلق برفض منح البطريرك سرولاريوس لقب «البطريرك المسكوني» والإصرار على انتزاع اعترافه بسلطة بابا روما على جميع الكنائس. كان الهدف الرئيسي من إرسال الوفد البابوي هو طلب المساعدة من الإمبراطور البيزنطي بعد الغزو النورماندي لجنوب إيطاليا، ولوضع حدّ للانتقادات الأخيرة التي بثّها كبير أساقفة أوهريد ضد استخدام الخبز غير المخمّر وغيرها من الطقوس الدينية الغربية، وهي الانتقادات التي كان يدعمها البطريرك سرولاريوس.[6][7][8][9][10][11]

يقول المؤرخ آكسيل باير إن المندوب البابوي أُرسل ردّاً على رسالتَين، إحداهما من الإمبراطور طلبًا للمساعدة في تنظيم حملة عسكرية مشتركة بين الإمبراطوريّتين الشرقية والغربية ضد النورمانديين، والأخرى من سرولاريوس. بعد رفض سرولاريوس ما طُلب منه، قام رئيس الوفد البابوي، الكاردينال همبرت سيلفا-كانيدا، بحرمانه كنسيّاً، وبالمقابل ردّ سرولاريوس بمعاقبة همبرت سيلفا-كانيدا وباقي الوفد البابوي بالحرمان الكنسي. كان هذا النزاع هو أول فِعل في عملية دامت لقرون طويلة نجم عنها الانشقاق الكامل.[12][13][14]

تبقى شرعيّة فعل الوفد البابوي موضع شكّ، إذ إن البابا كان قد توفّي، والحرمان الكنسي الذي عُوقب به سرلاريوس جاء منهم شخصيّاً وليس من البابا. ومع ذلك، فقد انقسمت الكنيسة لأسباب عقائدية، ولاهوتية، ولغوية، وسياسية، وجغرافية في شرخٍ لم يلتئم أبداَ، إذ يُوجه كلّ طرف للطرف الآخر اتهامات الوقوع في الهرطقة وابتداء الانقسام. وكان مِمّا صعّب عملية المصالحة الحروب الصليبية التي قادها الفرع اللاتيني، ومذبحة المسيحيين اللاتينيين في القسطنطينية في العام 1182، والانتقام الغربي في نهب سالونيك في العام 1185، والاستيلاء على القسطنطينية ونهبها في الحملة الصليبية الرابعة في العام 1204، وفرض بطاركة لاتينيين. أدى إنشاء بطريركيات دينية لاتينية في دول الحملات الصليبية إلى وجود متنافسَين على المنصب لكلّ مِن أنطاكية، والقسطنطينية، والقدس؛ الأمر الذي رسّخ وجود الانشقاق. لم تُفلح عدّة محاولات للصلح في ردم الهوّة بين الفريقين. في العام 1965، ألغى كلّ مِن البابا بول السادس وبطريرك القسطنطينية المسكوني أثيناغوراس الأول أناثيما العام 1054. في حين أن هذا الإبطال بحقّ الإجراءات التي اتُّخذت ضد أفرادٍ قد مثّل بادرة حسن نيّة، ولكنه لم يشكل أي نوعٍ من إعادة الاتحاد. ما تزال الاتصالات بين الجهتين مستمرة: ففي كل عام يحضر وفد من كلّ جهة احتفال الطرف الآخر بعيد القديس الراعي، القديسان بطرس وبول (في 29 يونيو) في حالة روما، والقديس آندرو (في 30 نوفمبر) في حالة القسطنطينية. وحدثت العديد من الزيارات المتبادلة بين رؤساء الكنائس من أحدهما للآخر. عادةً ما وقعت جهودُ البطاركة المسكونيين للمصالحة مع الكنيسة الكاثوليكية تحت نيران الانتقاد الشديدة التي وجّهها بعض الأرثوذكسيين الآخرين.

المراجع

  1. ^ "Great Schism"، Oxford Dictionary of the Christian Church (article)، Oxford University Press، 2005، ISBN:978-0-19-280290-3
  2. ^ Lembke، Martin (Spring 2010)، Meetings with the World's Religions (lecture)، Lund University: Centre for Theology and Religious Studies
  3. ^ Bayer, Axel (2002), Spaltung der Christenheit. Das sogennante Morgenländische Schisma von 1054 (بالألمانية), Köln-Weimar-Wien{{استشهاد}}: صيانة الاستشهاد: مكان بدون ناشر (link)
  4. ^ D'Agostino، MG (2008)، Il Primato della Sede di Roma in Leone IX (1049–1054). Studio dei testi latini nella controversia greco-romana nel periodo pregregoriano [The primacy of the Roman see in Leo IX (1049–54). Study of the Latin texts in the Greek-Roman controversy in the pre-Gregorian period]، Cinisello Balsamo: San Paolo
  5. ^ Cross، FL، المحرر (2005). "Great Schism (1)". The Oxford Dictionary of the Christian Church (article). New York: Oxford University Press. ISBN:0-19-280290-9.
  6. ^ Dragani، Anthony (2007). Adrian Fortescue and the Eastern Christian Churches. Gorgias. ص. 44. ISBN:978-1-59333345-4. مؤرشف من الأصل في 2020-01-25. اطلع عليه بتاريخ 2013-02-23.
  7. ^ Bihlmeyer، Karl؛ Tüchle، Hermann (1967). Church History: The Middle Ages. Newman Press. ص. 102. مؤرشف من الأصل في 2014-07-06.
  8. ^ Bury، John Bagnell (1923). The Cambridge Medieval Histories. Plantagenet Publishing. ج. 4. ص. 267. مؤرشف من الأصل في 2018-01-09.
  9. ^ Bayer, Axel (2004), Spaltung der Christenheit (بالألمانية), Böhlau, p. 80, ISBN:978-3-41214204-9, Archived from the original on 2020-01-25
  10. ^ Siecienski 2010، صفحات 113.
  11. ^ Runciman 1955.
  12. ^ The absence of full communion between the churches is mentioned explicitly even in the permission that canon 844 §3 of the Code of Canon Law accords for the administering by Catholic ministers of the sacraments of penance, the Eucharist and anointing of the sick to spontaneously requesting members of eastern churches such as the Eastern Orthodox Church (as also the أرثوذكسية مشرقية churches and the كنيسة المشرق) and of western churches such as the Old Catholic Church. "نسخة مؤرشفة". مؤرشف من الأصل في 2019-05-15. اطلع عليه بتاريخ 2020-01-07.{{استشهاد ويب}}: صيانة الاستشهاد: BOT: original URL status unknown (link)
  13. ^ "Eastern Churches Journal". Society of Saint John Chrysostom. ج. 8 ع. Issues 1–2. 2001: 149. {{استشهاد بدورية محكمة}}: الاستشهاد بدورية محكمة يطلب |دورية محكمة= (مساعدة) و|العدد= يحتوي على نص زائد (مساعدة)
  14. ^ Nichols 2010، صفحة 281.

انظر أيضًا