يسوع في علم الأساطير المقارن

من أرابيكا، الموسوعة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تمت مقارنة يسوع مع مجموعة متنوعة من الشخصيات من التقاليد الميثولوجية المتنوعة في حوض البحر المتوسط، مثل ديونيسوس، ميثرا، سول إنفكتوس، أوزيريس وأدونيس

دراسة يسوع في علم الأساطير المقارن هي دراسة حياة يسوع في الأناجيل المسيحية، والتقاليد واللاهوت، وارتباطها بالمسيحية والأديان الأخرى. على الرغم من أن تقريبا كل علماء العهد الجديد ومؤرخي الشرق الأدنى القديم متوافقون على أن يسوع كان موجودا كشخصية تاريخية حقيقية،[nb 1][nb 2][nb 3][nb 4][nb 5] يتوافق معظم المؤرخين العلمانيين أيضا على أن الأناجيل تحتوي على كميات كبيرة من التفاصيل الأسطورية غير التاريخية ممزوجة بمعلومات تاريخية عن يسوع.[6] الأناجيل الإزائية مرقس، متى، لوقا متشكلة بصورة كبيرة حسب التقاليد اليهودية، ويتعمد إنجيل متى تصوير يسوع كـ «موسى الجديد».[7] على الرغم من أنه من غير المرجح أن مؤلفي الأناجيل قد بنوا أيا من قصصهم على أساطير وثنية بصورة مباشرة،[8] من الممكن أنهم قد شكلوا رواياتهم حول معجزات يسوع الشفائية لتتشابه مع قصص يونانية مألوفة عن معجزات أسقليبيوس إله الشفاء والدواء.[9][10] سرد ميلاد يسوع في متى ولوقا عادة ما ينظر إليه من قبل المؤرخين العلمانيين كأساطير تم تصميمها لتحقيق التوقعات اليهودية عن المسيح.[11]

تأثر إنجيل يوحنا بصورة غير مباشرة بالأفلاطونية، عن طريق اعتماده على النصوص اليهودية الأقدم، وربما قد تأثر بطرق أقل وضوحا بطائفة ديونيسوس، إله النبيذ اليوناني، على الرغم من أن هذا الاحتمال لا يزال مختلف عليه.[12] التقاليد المسيحية اللاحقة عن يسوع تأثرت على الأغلب بالديانة الرومانية القديمة والميثولوجيا الكلاسيكية. الكثير من أيقونات يسوع التقليدية هي على ما يبدو مشتقة من آلهة البحر الأبيض المتوسط مثل هيرميز، أسكليبيوس، سيرابيس وزيوس وكذلك عيد ميلاده في 25 ديسمبر، والذي لم يعلن إلا بداية من القرن الخامس، كان في وقت من الأوقات عطلة تكريما لإله الشمس الروماني سول إنفكتوس. في حوالي نفس الوقت الذي كانت تتوسع فيه المسيحية في القرنين الثاني والثالث، كانت الميثرائية أيضا مزدهرة. على الرغم من أن العلاقة بين الديانتين لا تزال مختلف عليها، لاحظ المدافعون المسيحيون في ذلك الوقت التشابه بين الاثنين، مما دفع بعض العلماء لاعتبار ذلك دليلا على التأثر واستعارة الأفكار بين الاثنين، ولكن كان ذلك على الأرجح نتيجة البيئة الثقافية المشتركة. تمت المقارنة أيضا بين القصص عن ميلاد يسوع الميلاد والقيامة وقصص أخرى لشخصيات إلهية أو بطولية من مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك تموز، أدونيس، أتيس وأوزوريس.

المحتويات الأسطورية في الأناجيل

الأناجيل الإزائية

العظة على الجبل في إنجيل متى، لوحة من القرن التاسع عشر من قبل كارل بلوخ، وهي مثال على حالة من الحالات التي يشكل فيها مؤلف أحد الأناجيل روايته في ضوء التقاليد اليهودية.[13][14] على الرغم من أن محتويات العظة في الغالب أقوال أصلية ليسوع التاريخي،[15] سياق العظة هو اختراع أدبي لجعل يسوع يبدو مثل «موسى الجديد».[15][13]
عشق الرعاة (1622) للرسام الهولندي جيرارد فان هونثورست. ينظر المؤرخون العلمانيون في العصر الحديث لسرد ميلاد يسوع في Luke 1:26–2:52 كأسطورة اخترعها المسيحيون الأوائل ومبنية على أساس العهد القديم.[11][16][17]

يتفق أغلب علماء العهد الجديد ومؤرخي الشرق الأدنى القديم على وجود يسوع كشخصية تاريخية. بينما انتقد بعض العلماء دراسة يسوع بطريقة متحيزة دينيًا وتفتقر لسلامة المنهجية، مع بعض الاستثناءات القليلة، إلا أن هؤلاء النقاد يؤيدون تاريخية يسوع ويرفضون نظرية أسطورة يسوع التي تفترض أن يسوع لم يكن موجودًا قط. هناك اختلافات شاسعة بين العلماء حول دقة تفاصيل حياة يسوع كما تصفها روايات الأناجيل، وعن مغزى تعاليمه، ولكن الحدثان الوحيدان اللذان ينالا «إجماعًا عالميًا تقريبًا» بين الباحثين هما معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان وصلبه بأمر الحاكم الروماني بيلاطس البنطي.[18][19] يُقبَل أيضًا بصفة عامة، وإن لم يكن على مستوى عالمي، كونه يهوديًا جليليًا، وتلمذته للقليل من الأشخاص واقتُصار أنشطته على الجليل واليهودية، وتسببه في حدوث بلبلة في الهيكل، وأن بعد صلبه، استكمل خدمته مجموعة من تلاميذه، تعرض العديد منهم للاضطهاد.[20][21]

رغم ذلك، يتفق معظم العلماء العلمانيين على أن الأناجيل تحتوي على كميات كبيرة من المواد غير الدقيقة تاريخيًا والمفضل تصنيفها على أنها أساطير. عند مناقشة الأحداث الأسطورية الحقيقية من الأناجيل، يذكر عالم العهد الجديد بارت د. إيرمان رواية الميلاد في إنجيلي متى ولوقا ورواية إطلاق باراباس. غير أنه يشير إلى إن عدم صحة هذه القصص لا يعني بالضرورة أن يسوع نفسه لم يكن موجودًا. بحسب علماء اللاهوت بول آر. إدي وغريغ بويد، لا يوجد دليلًا على أن وصف يسوع في الأناجيل الإزائية (الأناجيل الثلاثة الأولى: مرقس، ومتى، ولوقا) تأثر مباشرةً بالأساطير الوثنية بشكل ملموس.[22] كان أتباع يسوع الأوائل يهودًا فلسطينيين مؤمنيين يمقتون الوثنية ولذلك من المستبعد جدًا أن يكتبوا قصصًا عن مؤسسهم على نهج الأساطير الوثنية.[8]

على الرغم من ذلك، لاحظ العديد من العلماء أن بعض معجزات شفاء يسوع المسجلة في الأناجيل الإزائية تشبه إلى حد كبير القصص اليونانية عن المعجزات المرتبطة بأسقليبيوس، إله الشفاء والطب.[9][10][23] ويقول برينان آر هيل أن معجزات يسوع الشفائية، في معظم الأحيان، تروي بوضوح محتوي الايمان اليهودي في قدرة يهوه الشفائية، ولكنه يلاحظ أن مؤلفي الأناجيل الإزائية ربما اقتبسوا بمهارة من النماذج الأدبية اليونانية. يذكر أن معجزات يسوع الشفائية تختلف بشكل رئيسي عن التي لأسقليبيوس من خلال حقيقة تعزى إلى نسب معجزات يسوع إلى إنسان على الأرض، بينما عجائب أسقليبيوس يصنعها إله عن بعد.[24] وفقًا للمؤرخين الكلاسيكيين: إيما ج. إدلستاين ولودفيغ إدلستاين، فإن الاختلاف الأبرز بين يسوع وأسقليبيوس أن يسوع صنع معجزاته مع «الخطاة والعشارين»، في حين رفض أسقليبيوس، حال كونه إلهًا، شفاء النجسين في العرف الديني واقتصر معجزاته على أصحاب الفكر النقي فقط. يختلف العلماء حول ما إذا كان مصدر مثل الرجل الغني ولعازر المسجل في (لوقا 16 31 -19 :) يسوع أم أنه اختلاق مسيحي لاحق، ولكن القصة تشبه إلى حد كبير العديد من القصص الشعبية التي تُروى في مختلف أنحاء الشرق الأدنى.[25]

اتُفق عمومًا على أن وصف يسوع في الأناجيل تأثر كثيرًا بالتقليد اليهودي. يرى إد باريش ساندرز، أحد أبرز دارسي يسوع التاريخي، أن الأناجيل الإزائية تحتوي على عدة أحداث تطابق بوضوح أحداث وُصفت عن بيسوع بالتي للأنبياء في الكتاب العبري.[26] يذكر ساندرز أنه من المستحيل أن نعرف يقينًا، في بعض هذه الحالات، ما إذا كان السبب في هذه التشابهات هو اقتداء يسوع التاريخي نفسه، عن عمد، بالأنبياء العبرانيين، أم هو اختلاق مسيحي في وقت لاحق لقصص أسطورية تعطي صورة عن يسوع كواحد منهم. لكن من الواضح أن أوجه التشابه في حالات كثيرة أخرى من صنع كتّاب الأناجيل.[27] إذ استهدف كاتب إنجيل متي على وجه الخصوص إظهار يسوع عمدًا على أنه «موسى الجديد» فما رواه متى عن محاولة هيرودس قتل الطفل يسوع، وهروب عائلة يسوع إلى مصر، ثم عودتهم إلى اليهودية هي روايات خرافية مبنية على سفر الخروج الذي في التوراة. بحسب إنجيل متى، ألقى يسوع العظة على الجبل محاكاةً لشريعة موسى التي استلمها فوق جبل سيناء (طور سيناء). وفقًا لعالِمي العهد الجديد غيرد ثيسن وأنيت ميرز، أن يسوع علم بالتعاليم المحفوظة في الموعظة على الجبل حقًا بنفسه في مناسبات مختلفة ولم تُقال أصلًا في مناسبة بعينها، لكن كاتب إنجيل متى جمّعهم في تكوين قصصي منظم، وابتكر لهم سياقًا ملائمًا ليناسب ما أراد إيصاله عن يسوع بأنه «موسى الجديد.»[28]

طبقًا لساندرز، إن رواية الميلاد في متى ولوقا هي أوضح مثال على الأساطير في الأناجيل الإزائية. طبقًا لتلك الرواية، وُلد يسوع في بيت لحم حسب تاريخ الخلاص اليهودي، وترعرع في الناصرة، ولكن الرواية في الإنجيلين قدمتا تفسيرين مختلفين ومتناقضين تمامًا لكيفية حدوث ذلك، وروايات البشارة بميلاد يسوع الموجودة في (متى: 1 18 – 22)، و (لوقا 1 :26-38) مستوحاة من قصص البشارة بميلاد إسماعيل وإسحق وشمشون في العهد القديم. يستشهد متى بإشعياء 14: 7 من الترجمة السبعينية ليؤيد روايته عن ميلاد يسوع من العذراء.[16][17] يقول النص العبراني لهذه الآية: «ها الفتاة (تُنطق بالعبرية: حألماه) تحبل وتلد إبنًا وتدعو اسمه عمانوئيل.» لكن الترجمة السبعينية استبدلت ترجمة الكلمة العبرية ألماه، والتي تعني حرفيًا «فتاة»، بكلمة παρθένος (تُنطق: بارثينوس) اليونانية والتي تعني «عذراء». لذلك يرى معظم المؤرخين العلمانيين عمومًا أن الروايتين المنفصلتين عن ميلاد العذراء في إنجيلي متى ولوقا هما اختلاقان أسطوريان مستقلان وُضعا لتحقيق الآية التي أٌسئ ترجمتها عن أشعياء.[29] يوضح ساندرز أن سرد رواية الميلاد «حالة خاصة جدًا» نتيجة عدم دراية مؤلفي الأناجيل بميلاد يسوع وطفولته، إذ لا يوجد أي جزء آخر من الأناجيل يعتمد بهذه الشدة على شبيه له في العهد القديم. يلاحظ ساندرز أيضًا أنه على الرغم من أوجه التشابه الواضحة والمقصودة، فإن «الفروق الجذرية» بين يسوع وأنبياء العهد القديم بالغة الأهمية أيضًا، وروايات الأناجيل عن حياة يسوع بشكل عام لا تشبه بشكل كبير حياة أي من الشخصيات الواردة في الكتاب المقدس العبراني.[30][31][32] قارن أيضًا مؤرخو الدين قصة الصلب بالقصص اليونانية والرومانية من أجل الحصول على إدراك أفضل لكيفية فهم غير المسيحيين لأحداث صلب يسوع، على الرغم من اتفاق جميع العلماء تقريبًا من مختلف الخلفيات على أن صلب يسوع هو أحد الأحداث القليلة في حياته المتفق على حدوثها فعلًا. يشير مؤرخ الدين الألماني مارتن هينغل إلى أن لوقيان السميساطي الساخر السوري الهلنستي (فولتير العصر القديم)، في حواره الهزلي بروميثيوس، الذي كتبه في القرن الثاني الميلادي (بعد يسوع بنحو مئتي عام)، يصف الإله بروميثيوس مثَبت على صخرتين في جبال القوقاز مستخدمًا كل مصطلحات الصلب الروماني، فهو يُسمَّر بين يديه ليشكل «صليب أكثر خدمةً» (باليونانية: "ἐπικαιρότατος... ὁ σταυρος").[33]

يظهر الإلهين هيرميز وهيفيستوس، اللذان يؤديان الإلزام، كعبيد يهددهم سيدهم الوحشي زيوس بنفس العقوبة إذا ضعفوا. خلافًا لصلب يسوع في الأناجيل الإزائية، إن صلب لوقيان لبروميثيوس سخرية متعمدة وغضب من الآلهة، المقصود منها إظهار زيوس كطاغية قاسي ومتقلب المزاج لا يستحق التسبيح أو العبادة. هذه هي الحالة الوحيدة من الأدب الكلاسيكي كله التي يبدو فيها أن إلهًا صُلب، وحقيقة أن اليونانيين والرومان لن يتصوروا إلهًا مصلوب إلا كشكل من «أشكال محاكاة ساخرة شريرة»، تدل على نوع الرعب الذي كانوا سينظرون به للقصص المسيحية عن صلب يسوع.[34]

يزعم اللاهوتي الأمريكي دنيس ماكدونالد أن إنجيل مرقس هو في الواقع سرد يهودي لملحمة الأوديسة، ونهايتها مشتقة من الإلياذة، التي تجعل يسوع شخصية محورية بدلًا من أوديسيوس. بحسب ماكدونالد، تهدف الأناجيل في المقام الأول إلى إظهار تفوق يسوع على الأبطال اليونانيين، غير أن يسوع نفسه كان شخصية تاريخية حقيقية، فينبغي أن تُقرأ الأناجيل على أنها خيال تاريخي متمحور حول بطل حقيقي، لا على أنها روايات دقيقة عن حياة يسوع. قابلت الدوائر العلمية فرضية ماكدونالد بأن الأناجيل قد وُضعت على غرار الملحمات الهوميرية بارتياب شديد بسبب اعتمادها شبه الكامل على التوازي شديد الغموض والذاتية.[35][36][37] يقول علماء آخرون إن حجته تدحضها أيضًا حقيقة أن إنجيل مرقس لم يقتبس قط من أي من الملحمات الهومرية مباشرة ويستعمل لغة مختلفة تمامًا. يشير فيمي بيركنز أيضًا إلى أن العديد من الأحداث في إنجيل مرقس والتي يزعم ماكدونالد أنها مستمدة من الأوديسية أكثر تشابها مع العهد القديم. بيد أن حجة ماكدونالد، في شكل يُساء فهمه، على الرغم من ذلك أصبحت شعبية في الدوائر غير العلمية، وخاصة على شبكة الإنترنت، الذي تستخدم فيه لدعم نظرية أسطورة المسيح. يرفض ماكدونالد نفسه هذا التفسير إذ يراه متطرفًا للغاية.[38][35]

إنجيل يوحنا

لوحة من أواخر القرن السادس قبل الميلاد تظهر ديونيسوس يمد يده حاملا kantharos، وهو نوع من كؤوس الشرب. بعض العلماء يقولون بأن تصوير يسوع في إنجيل يوحنا قد تأثر برمزية ديونيسوس.[12][39][40][41][42][43]

يحتوي إنجيل يوحنا، آخر الأناجيل القانونية الأربعة، على أفكار نشأت عن الأفلاطونية والفلسفة اليونانية، إذ ابتكر الفيلسوف هرقليطس، الذي أيد سقراط، «اللوغوس» الموجودة في مقدمة إنجيل يوحنا، وكيَّفها مع اليهودية قبل فيلو الإسكندري المنتمي للأفلاطونية الوسطى. مع ذلك، لم يكن مؤلف إنجيل يوحنا شخصيًا على دراية بالفلسفة اليونانية، وربما لم يقترض لاهوت اللوغوس من النصوص الأفلاطونية مباشرةً،[44][45] بل ربما أثرت هذه الفلسفة سابقًا على نصوص الأسفار القانونية الثانية اليهودية، التي ورثها يوحنا واستمد منها لاهوت لوغوس خاصته. كانت اللوغوس، في المصطلحات الأفلاطونية، قوة عالمية تمثل عقلانية العالم ومفهومه.[45] من ناحية أخرى، تصبح اللوغوس، كما هي متكيفة مع اليهودية، شخص سماوي وسيط بين الله والإنسان متأثرًا بكتابات الحكمة وتقاليد الكتاب المقدس، وبمرور الوقت الذي انتقلت فيه إلى اليهودية، يبدو أنها احتفظت فقط بمفهوم شمولية اللوغوس الأفلاطونية.[46]

كتب دايفيز وفينكلستاين: «وجدت هذه الحكمة البدائية والكونية، بأمر من الله، بيتًا لها على جبل صهيون في أورشليم. إن هذه الشخصية الوسطية، من ناحية عالميتها، يمكن مقارنتها بـ «روح العالم» الأفلاطونية أو «اللوغوس» الرواقية، أما هنا فترتبط بشكل حصري بإسرائيل، شعب الله المختار، وبمقدساته.»

لطالما اشتبه العلماء في أن إنجيل يوحنا ربما تأثر أيضًا بالرمزية المرتبطة بعبادة ديونيسوس، إله الخمر اليوناني. ومسألة ما إذا كان إنجيل يوحنا قد تأثر حقًا بعبادة ديونيسوس محل جدل شديد، خصوصا مع وجود علماء مرموقين يدافعون بحماس عن طرفي النزاع.[12][39][40][41][43] كان ديونيسوس واحدًا من أشهر الآلهة اليونانية، عَبِده معظم أنحاء العالم اليوناني –الروماني، وكذلك أيضًا فلسطين وآسيا الصغرى وإيطاليا. في نفس الوقت، احتج علماء آخرون بأنه من الغريب جدًا أن يكون مؤلف إنجيل يوحنا المسيحي المتدين تعمّد دمج تشبيهات ديونيسية في كتاباته، بل يُزعم بأن رمزية الخمر الموجودة في إنجيل يوحنا من المرجح أنها تستند على الإشارات العديدة إلى الخمر الموجودة في العهد القديم. وردا على هذا الاعتراض، احتج مؤيدو النفوذ الديونيسي بأن من المحتمل أن يكون كاتب إنجيل يوحنا قد استخدم هذه التشبيهات في محاولة لإظهار تفوق يسوع على ديونيسوس. [47][48][49]

المثال الأول للتأثير الديونيسي المحتمل هو معجزة يسوع التي حوّل فيها الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل في (يوحنا 11-1:2). تتشابه هذه القصة إلى حد ما مع القصص التي رُويِت عن ديونيسوس.[48][47] شُهد على ارتباط ديونيسوس الوثيق بالخمر منذ كتابات أفلاطون، ويصف عالم الجغرافيا اليوناني باوسانياس، الذي عاش في القرن الثاني، طقسًا يقال فيه أن ديونيسوس ملأ براميل فارغة مغلقة متروكة داخل معبد طوال الليل بالخمر. طبقًا للروايتين اليونانيتين ليوسيبي وكليتوفون للكاتب أكيليس تاتيوس، التي كتبها في القرن الأول أو الثاني الميلادي، يأخذ أحد الرعاة ديونيسوس إلى منزله ويقدم له وجبة طعام، ولكنه لا يستطيع أن يقدم له سوى ما تتناوله ثيرانه من الشراب.[50] بأعجوبة، حوّل ديونيسوس هذا الشراب إلى خمر. أما رواية تحويل الماء إلى خمر فهي غير موجودة في أي من الأناجيل الإزائية، فقط في إنجيل يوحنا، ما يشير إلى أن مؤلف الإنجيل الرابع ربما يكون ألفها. أما الحدث الثاني الذي يوضح التأثير الديونيسي فهو الرمزية الموجودة في (يوحنا (17-1:15 التي أعلن فيها يسوع أنه «الكرمة الحقيقية»، وهو لقب يذكِّرنا بديونيسوس الذي قيل إنه اكتشف أول كرمة عنب. [51]

جادل مارك دبليو. جي. ستيبي بأن إنجيل يوحنا يتضمن أيضًا أوجه تشابه مع الباكوسيات، وهي مأساة كتبها الكاتب المسرحي الآثيني يوربيديس لأول مرة في عام 405 قبل الميلاد إذ تجعل من ديونيسوس شخصية محورية. يصور كلا المؤلَفَين الشخصية المحورية على أنها إله متجسد يصل إلى بلد وهناك يُعرَف ويُعبَد، ولكن، لأنه متنكر في زي بشري، فلا يمكن التعرف عليه وبالتالي بدلًا من أن يعبَد، يتعرض للاضطهاد من قِبَل الحزب الحاكم.[52][53] صوّر إنجيل يوحنا يسوع على أنه صعب الفهم، يتعمد التفوه بأقوال غامضة لتفادي القبض عليه، تمامًا مثل ديونيسوس في باكوسيات يوربيديس.[54] يتبع المعبود، في كلا العملين، مجموعة من الإناث. ينتهي كلا العملين بموت أحد الشخصيات الرئيسية بطريقة عنيفة، مات يسوع نفسه في إنجيل يوحنا في إنجيل يوحنا، أما في الباكوسيات مات بينثيوس ملك طيبة ابن عم ديونيسوس وكان خصمه أيضًا. يؤكد ستيبي أن هناك اختلافًا جذريًا بين الروايتين، غير أنه يؤكد على التشابه بينهما في بعض المحاور. أحد الاختلافات الأكثر وضوحًا هو أن ديونيسوس، في الباكوسيات، قد جاء ليدافع عن فلسفة الخمر ومذهب اللذة، في حين أن يسوع جاء في إنجيل يوحنا ليقدّم لأتباعه الخلاص من الخطيئة. يصوّر يوربيديس ديونيسوس على أنه عدواني وعنيف، في حين يُظهر إنجيل يوحنا يسوع على أنه مسالم ومليء بالرحمة. وعلاوة على ذلك، فإن الباكوسيات قد وُضِعت خلال عالم متعدد الآلهة بشكل جلي، ولكن إنجيل يوحنا يعترف بوجود إلهين فقط: يسوع نفسه وأبيه الذي في السماء.[54]

معرض صور

انظر أيضًا

ملاحظات

  1. ^ بينما كان يناقش الحقيقة "المدهشة" أننا "لا نمتلك أي سجلات رومانية، من أي نوع، تؤكد وجود يسوع،" ينفي إيرمان المزاعم بأن ذلك يعني أن يسوع لم يوجد أبدا، قائلا، "لقد تواجد بالتأكيد، ويتفق مع ذلك أي باحث مؤهل سواء مسيحي أو غير مسيحي, بناء على دلائل واضحة ومؤكدة."[1]
  2. ^ روبرت برايس (وهو مدافع مسيحي أصبح ملحدا) قال أن وجود شخصية يسوع "لا يمكن استبعاده" ولكن اعتبر أن احتمال تواجده أقل من احتمال عدم وجوده. مع ذلك، اعترف أن وجهة نظره تلك تختلف عن وجهة نظر أغلب الباحثين.[2]
  3. ^ مايكل غرانت يقول أن "في السنوات الأخيرة، 'لا يوجد أي باحث جاد غامر بافتراض عدم تاريخية يسوع أو ربما القليلون جدا فعلوا ذلك ولم ينجحوا في التغلب على الأدلة الأقوى بكثير التي تثبت العكس."[3]
  4. ^ "هناك من يجادل بأن يسوع هو نسج من خيال الكنيسة، وأنه لم يكن هناك يسوع على الإطلاق. يجب أن أقول أنني لا أعرف أي عالم نقدي محترم يقول ذلك الآن."[4]
  5. ^ موريس كيسي، وهو أستاذ فخري للغات وأدب العهد الجديد في جامعة نوتنغهام، يختتم في كتابه "يسوع: الأدلة والحجة أو الأساطير الأسطورية؟" بأن "الفكرة بأن يسوع الناصري لم يكن موجودا كشخصية حقيقية هي فكرة خاطئة، علاوة على ذلك، لم يتم اقتراحها من قِبل أي شخص أو أي شيء ذي علاقة معقولة بالدراسات النقدية، بل تنتمي إلى الحياة الخيالية للأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا مسيحيين أصوليين. لم يؤمنوا بالدراسات النقدية في ذلك الوقت، ولا يؤمنون بها الآن، لا يمكنني العثور على أي دليل على أن أيًا منهم لديه مؤهلات مهنية كافية."[5]

المراجع

  1. ^ Bart D. Ehrman (22 مارس 2011). Forged: Writing in the Name of God--Why the Bible's Authors Are Not Who We Think They Are. HarperCollins. ص. 285. ISBN:978-0-06-207863-6. مؤرشف من الأصل في 2017-03-13.
  2. ^ James Douglas Grant Dunn (1 فبراير 2010). The Historical Jesus: Five Views. SPCK Publishing. ص. 61. ISBN:978-0-281-06329-1. مؤرشف من الأصل في 2019-06-10.
  3. ^ Michael Grant (يناير 2004). Jesus. Orion. ص. 200. ISBN:978-1-898799-88-7. مؤرشف من الأصل في 2019-06-07.
  4. ^ Richard A. Burridge؛ Graham Gould (2004). Jesus Now and Then. William B. Eerdmans Publishing Company. ص. 34. ISBN:978-0-8028-0977-3. مؤرشف من الأصل في 2019-06-05.
  5. ^ Casey 2014، صفحة 243.
  6. ^ Ehrman 2012، صفحات 184–185.
  7. ^ Ehrman 2012، صفحات 198–199.
  8. ^ أ ب Eddy & Boyd 2007، صفحات 53–54.
  9. ^ أ ب Edelstein & Edelstein 1998، صفحات 133–134.
  10. ^ أ ب Hill 2004، صفحات 67–68.
  11. ^ أ ب Sanders 1993، صفحات 85–88.
  12. ^ أ ب ت Salier 2004، صفحات 66–69.
  13. ^ أ ب Ehrman 2012، صفحة 199.
  14. ^ Sanders 1993، صفحة 146.
  15. ^ أ ب Theissen & Merz 1998، صفحات 17–62.
  16. ^ أ ب Farris 2015، صفحة 106.
  17. ^ أ ب Litwak 2005، صفحة 75.
  18. ^ Jesus Remembered by James D. G. Dunn 2003 (ردمك 0-8028-3931-2) p. 339 states of baptism and crucifixion that these "two facts in the life of Jesus command almost universal assent".
  19. ^ Crossan, John Dominic (1995). Jesus: A Revolutionary Biography. HarperOne. ص. 145. ISBN:0-06-061662-8. مؤرشف من الأصل في 2021-03-07. That he was crucified is as sure as anything historical can ever be, since both Josephus and Tacitus ... agree with the Christian accounts on at least that basic fact.
  20. ^ Chilton & Evans 2002، صفحات 3–7.
  21. ^ Herzog 2005، صفحات 1–6.
  22. ^ Gerald O'Collins, "The Hidden Story of Jesus" New Blackfriars Volume 89, Issue 1024, pages 710–714, November 2008
  23. ^ Cotter 2010، صفحة 73.
  24. ^ Hill 2004، صفحة 68.
  25. ^ van Eck 2016، صفحة 265.
  26. ^ Sanders 1993، صفحات 88–91, 112–113.
  27. ^ Sanders 1993، صفحات 88–91.
  28. ^ Sanders 1993، صفحات 90–91.
  29. ^ Seidler 2006، صفحة 39.
  30. ^ Bruner 2004، صفحة 37.
  31. ^ Machen 1987، صفحة 252.
  32. ^ Marchadour, Neuhaus & Martini 2009، صفحات 67–68.
  33. ^ Sanders 1993، صفحة 88.
  34. ^ Hengel 1977، صفحات 12–13.
  35. ^ أ ب Sandnes 2005، صفحات 714–732.
  36. ^ Watts 2013، صفحات 11–18.
  37. ^ Meyer 2013، صفحات 149–150.
  38. ^ Watts 2013، صفحات 12–13.
  39. ^ أ ب Stibbe 1993، صفحات 241–242.
  40. ^ أ ب Shorroch 2011، صفحات 57–64.
  41. ^ أ ب Orchard 1998، صفحات 129–132.
  42. ^ Kierspel 2006، صفحات 202–203.
  43. ^ أ ب Stibbe 1994، صفحات 131–134.
  44. ^ Smalley 2012، صفحات 47–48.
  45. ^ أ ب Porter 2015، صفحات 102–104.
  46. ^ Sturdy, John, Louis Finkelstein, and William David Davies, eds. The Cambridge History of Judaism: The Hellenistic Age. Cambridge University Press, 2007, 223-224
  47. ^ أ ب Stibbe 1994، صفحة 132.
  48. ^ أ ب Kierspel 2006، صفحة 202.
  49. ^ Salier 2004، صفحة 67.
  50. ^ Salier 2004، صفحة 68.
  51. ^ Shorroch 2011، صفحة 57.
  52. ^ Stibbe 1993، صفحة 241.
  53. ^ Stibbe 1994، صفحات 134–135.
  54. ^ أ ب Stibbe 1994، صفحة 136.


بيبلوجرافيا