بَدْري فَرْكوح (تُوفي في 14 أغسطس 1940 م) هو أحدُ شعراء المَهْجر الأمريكي الشِّمالي، كان قد اختارَ مدينة نيُويُورك موطنًا لعَيْشِه وأدبه، فغَنَّاها في عددٍ من قصائدِه، وأفردَ لبعض مَعالمها جُزءًا من مَنْظومه وكِتاباتِه. يذكرُ نظير زيتون بأنَّ «أغلب الظنّ أنَّ بدري فركوح هو أوَّل صوت عربي مهجري نظم شعرًا باللغة الإنكليزيَّة».[1]

بدري فركوح
معلومات شخصية
بوابة الأدب

حياته

بَدْري سَليم فَرْكوح، والدتُه سَليمَة خيَّاط، اختارَ مدينة نيُويُورك موطنًا لعَيْشِه وأدبه، فغَنَّاها في عددٍ من قصائدِه، وأفردَ لبعض مَعالمها جُزءًا من مَنْظومه وكِتاباتِه. لم يكن بَدْري فَرْكوح عضوًا في الرابطةِ القلميَّة التي نشأت في نيُويورك، وضمَّت عددًا من قاطنيها من الأدباءِ المُهاجرين، وإنْ كانَ -كما تقولُ بعضُ المَراجِع- ينشر أَحْيانًا في جريدتِها الأدبيَّة العامِرة «السَّائِح» التي أَسَّسها ابنُ مدينتِه الأديب عبد المَسيح حدَّاد؛ كما أنَّه لم يلتحقْ بأيِّ مجموعَةٍ أدبية مهجريَّة معروفة.

لم تَذْكرِ المَصادرُ القليلة التي تحدَّثت عن بَدْري فَرْكوح متى جاء الولاياتِ المُتَّحدة الأمريكيَّة مهاجِرًا، ولكن يغلبُ على الظنّ أنَّه جاءَها سنةَ 1902 م، وهي السنةُ التي تشيرُ المراجع إلى أنَّها سنةُ ولادتِه، ولكن تُشير المصادر بأنَّ «كلَّ القرائِن تَسْتبعد ذلك تمامًا؛ فالشاعرُ نظمَ قصائدَ يعود تاريخُ بعضها إلى سنة 1911 م وما بعد، ومنها تلك القصيدةُ التي نظمَها مُهنِّئًا المرجعَ الديني المَسيحِي الكبير اثناسيُوس عَطا الله، مِتْروبوليت حِمص وتَوابِعها للروم الأَرْثوذكس سابِقًا مثلما ذكرَ المؤلِّفُ رِزْق الله نعمَة الله عبُّود في كتابه: «تَذْكار اليُوبيل لسيادَة الحَبْر الجَليل اثناسيُوس عَطا الله»، الصادر سنة 1911 ميلاديَّة؛ فهل يُعقَل أن يَنْظمَ بَدْري فَرْكوح مثلَ ذلك ويُرْسلَ التَّهنئةَ وعمرُه 9 سنوات، كما نظم قصائد أخرى وكتب مقالاتٍ في المرحلة نفسها. وبناءً على كلِّ ما تقدَّمَ يمكننا الجزم بأنَّ الشاعرَ وُلدَ قبلَ سنة 1902 م».

تزوَّج الشاعرُ بَدْري فركوح من جُورجيت عاقل، ورُزقَ منها بأربعة أبناء (إِدْوارد ودُوريس ورينُولد ولُورين).

حياتُه الأدبيّة

لم يَلْقَ بَدْري فَرْكُوح الاهتمامَ اللائِق به كاتِبًا وأَديبًا وشاعرًا؛ حيث إنَّ مَصادِرَ الأدب المَهْجري المَعْروفة، مثل كتاب «أَدبُنا وأُدَباؤنا في المهاجر الأمريكيَّة» لجُورج صَيْدح وكتاب «أدب المَهْجر» لعيسَى النَّاعوري وكتاب «قصَّة الأدب المَهْجري» لمحمَّد عبد المنعم خفاجي، أغفلَتْ ذكرَه تمامًا، رغم أنَّ بعضَ تلك المَصادر ذكرت شُعَراءَ وأدباء ليس لهم دَواوينُ أو مَنْشورات، بل ليسَ لديهم شعرٌ مَعْروف.

ولَعلَّ المَقالةَ الأصيلَة التي وَردَتْ في كتابِ «أَعْلام الأدب والفنّ» عن بَدْري فَرْكُوح هي المَقالةُ الوَحيدة التي اعتمدت عليها بعضُ المَصادِر والمَقالات على الإنترنت في الحديث عنه. وما عدا ذلك، لا يوجد أيّ ذكرٍ له، حتَّى من زُمَلائه في الهجرة من حِمْص. كما مرَّ على ذكره كتابُ «تاريخ حِمْص» في بضعةِ أَسْطُر فقط، ولم يأتِ بمعلوماتٍ ذاتِ بال عنه زيادةً على ما جاءَ في المَرْجِع السَّابِق. يذكر الأديبُ المَهْجري الكبير نظير زيتون، نزيل البرازيل، بأنَّ «بدري فركوح قد نشر ديوانًا له باللغة الإنكليزيَّة بُعَيْدَ الحرب العالميَّة الأولى، أي قبلَ أن ينشرَ جبران خليل جبران مؤلَّفاته بهذه اللغة؛ وأغلب الظنّ أنَّ بدري فركوح هو أوَّل صوت عربي مهجري نظم شعرًا باللغة الإنكليزيَّة».

كان بَدْري فَرْكُوح مُغْرمًا بالطبيعة، وهو القائل فيها: «إِنِّي وَلُوعٌ بِالطَّبيعَةِ مُغْرَمٌ»، كما كان مُعْجبًا بالحضارة الغربيَّة وبمعالم نيُويُورك وما فيها من مَظاهر هذه الحضارة؛ فقد ضَمَّنَ شيئًا من ذلك في قصائده. كما توضح المصادر بأنه «لقد غلبَت على قصائِدِ الشَّاعر نكهةُ التأمُّل والذاتيَّة، وربَّما أنَّ هيامَه بالطبيعَة هو أحدُ مُفْرداتِ هذا التأمُّل. وكان التركيزُ على الطبيعَة وهيمنتُها على أشعارِه مَلْحوظًا في قَصائدِه، بل يَتَّضِح أنَّ لديه ميلًا صارخًا للطبيعة وما فيها، حتَّى إنك تشعر بأنَّ الطبيعةَ سحرتُه، لذلك كثر شعرُه عنها مفصَّلًا، حتَّى في دقائِقها؛ ففي قَصيدتِه «الظَّبْيات السَّابِحات» يُسرِّح بَدْري فَرْكُوح الطرفَ في عالم البَحْر، يَسْتبطِنُ جَمالَه ويستنشقُ سِحْرَه، في أبياتٍ قليلة تَحْكي شُعورَه ووجدانَه أمامَ هذا المارِد المائي»، فيَقول:

اليَمُّ يَزْخَرُ هائِجًا مُتَقَلِّبَاوَالأفُقْ أَضْحَى بِالضَّبابِ مُحَجَّبا
وَالمَوْجُ ثارَ مُشَدَّدًا وثَباتُهُمِثْلُ الغَضَنْفَرِ راحَ يَزْأَرُ مُغْضَبا
وَرَشاشَهُ مِنْ حالِقٍ مُتَساقِطٍمُتَناثِرٍ مِثْلَ اللُّجَيْنِ مُذَوَّبا
نَزِقًا يَكُرُّ عَلى الرِّمالِ وَيَنْثَنيعَجَبًا، وَلَسْتُ لِطَيْشِهِ مُتَعَجِّبَا

كما تُشير المصادر بأنه حتَّى عندما «يكون مُمْتَطيًا إِحْدى وسائِل التكنولوجيا الحديثَة، لا يستطيع إلَّا أن يهيمَ الشاعرُ في معالم الطبيعَة وتجلّياتها الساحِرة. وها هو الآن يعبِّر عن ذلك في قصيدتِه «نَظْرة من القِطار»، حيث ترتادُ السُّهولَ عَيْناه وتأسرُه مناظرُ الحُقول، وتأخذُ بلبِّه الزَّنابقُ على التِّلال، فيتمنَّى لو أنَّ هذه البَراري العامِرة بالحُسْن تَؤُول سَكَنًا له»، فيَقول:

خَفِّفِ السَّيْرَ يا قِطارُ وَدَعْنِيأَمْلَأُ العَيْنَ مِنْ جَلالِ السُّهُولِ
خافِقَ القَلْبِ! إِنَّ قَلْبَكَ قاسٍلَيْسَ يَسْتَهْويهِ جَمالُ الجَميلِ
أَتَرَى هَذهِ الخَمائِلَ أَضْحَتْتَتَجلَّى فِيها عَرُوسُ الحُقُولِ!؟
وَتَرَى هَذهِ الزَّنَابِقَ تَزْهُوفَوْقَ هامِ التِّلالِ كَالإِكْليلِ!؟
أَتَرَى كُلَّ ذا وَتَعْدُو حَثِيثًادُونَ شَوْقٍ لِلشَّمِّ وَالتَّقْبيلِ!؟
لَيْتَني ساكِنٌ بِهَذي البَرارِيبَيْنَ هَذي الرُّبَى وَتِلْكَ الطُّلُولِ

وعِنْدما «ينظرُ من بيته عبرَ النافذة، لا تملُّ عَيْناه من تأمُّلِ جمالِ ما يَراه، فيُشْبِع تلك المَعالمَ الساحِرة من وَصْفِه وأدبه»، فيقول:

وَأَنا في غُرْفَتي مُضْطَجِعٌفي سَريري أَتَنَاجَى بِانْفِرادْ
وَجُفُونِي في عِراكٍ مُضْنِكٍقامَ ما بَيْنَ نُهُوضٍ وَرُقادْ
فَأُطِلُّ الرَّأْسَ مِنْ نافِذَتيمُنْعِمًا طَرْفي بِما يُسْبي الفُؤَادْ
مِنْ رِيَاضٍ وَبُحَيْراتٍ لَهالا أَرَى وَصْفًا بِطَرْسٍ وَمِدادْ
وَأَرَى اليَمَّ وَقَدْ ثارَتْ بِهِلُجَجٌ أَمْسَتْ وِهادًا وَنِجادْ
وَإِذا هَبَّتْ نُسَيْماتُ الضُّحَىبِشَذاها سَلَبَتْ مِنِّي الرَّشادْ

ويَتَراءَى مثلُ ذلك في قصيدتِه «الصَّباح السَّاحِر»، حيث يقولُ الشاعر:

مِنْ غُرْفَتي سِحْرًا أُطِلُّ مُمَتِّعًانَظَري بِمَرْأَى البَحْرِ تَحْتَ الفُنْدُقِ
وَالمَوْجُ مُضْطَرِبٌ، لُجَيْنُ رَشاشِهِيَعْلُو زُمُرُّدَ مائِهِ المُتَرَقْرِقِ
وَالشَّمْسُ ساطِعَةٌ بِأُبْهَةٍ، وَقَدْصَبَّتْ عَلَيْهِ ضِيَاءَها بِتَدَفُّقِ
فَكَأَنَّ سَطْحَ البَحْرِ مِرْآةٌ بِها انْعَكَسَتْ مَحاسِنُ وَجْهِها المُتَأَلِّقِ
فُتِنَتْ بِمَرْآهُ السَّماءُ صَبابَةًوَأَتَتْ إِلَيْهِ تَضُمُّهُ بِتَشَوُّقِ

لقد أنفقَ بَدْري فَرْكُوح كثيرًا من شعرِه في سَبْرِ بهاءِ الطبيعة، والتغنِّي برَوْنقِها وتفاصيلِها، فتغنَّى بالبَحْر والسُّهول والرِّياض والنَّسيم والجبال والطيُور والظِّباء.

غلبَتْ الخطابيَّةُ والمُباشَرَة على بعضِ شعر بَدْري فركوح، لاسيَّما قصائد: «أَيْنَ جَهَنَّم»، و «ذَبِيحَة الكَهنُوت» و «لَيَالي العَرَب»، وقد جاء في الأخيرة:

هُمْ سَلاطينُ عَزيزٌ مِثْلُهُمْنَشَرُوا العِلْمَ بِعَصْرٍ ذَهَبِي
فَتَحُوا الأَرْضَ وَسادُوا وَبَنَوْاكُلَّ مَأْثُورِ الفِعالِ الطيِّبِ
إِنْ ذَكَرْناهُمْ ذَكَرْنا فَضْلَهُمْفَهُمُ أَحَبُّوا فُنُونَ الأَدَبِ
هَذهِ إِحْدَى لَيالِيهِمْ وَياما أُحَيْلاها لَيَالي العَرَبِ
فَلْيَدُمْ أَنْصارُ آدابٍ لَهُمْوَلْيَدُمْ أَعْضاءُ نادِي الكُتُبِ

كما كانَ للوطن نصيبٌ من شعره، ففي قصيدةٍ معرَّبة للشاعر الإنكليزي «رِدْ يارْد كبلن» يقولُ تحت عنوان «حبَّذا الموتُ إذا عاشَ الوطن» داعيًا إلى الذَّوْدِ عنه بكلِّ الوسائل وبأيِّ ثَمَن:

يا بَني أُمِّي انْهَضُوا مِثْلَ الأُسُودْوَاهْرَعُوا لِلْحَرْبِ في ظِلِّ البُنُودْ
هاكُمُ الأَعْداءُ حَلُّوا في الحُدُودْفَاحْرُسُوا مُلْكًا تَوَلَّاهُ الجُدودْ
فَحَيَاةُ الشَّعْبِ في مَجْدِ الوَطَنْ
لا الأَماني لا الدَّعاوَى الكاذِباتْتَدْفَعُ المَحْذورَ عنَّا وَالقَدَرْ
إِنَّما بَذْلُ النُّفُوسِ الغالِيَاتْيُدْرِكُ القَصْدَ وَيُولينا الظَّفَرْ
ما أُحَيْلَى البَطْشَ بِالفَوْزِ اقْتَرَنْ
واجِبُ الكلِّ اتِّحادٌ وَثَباتْواجِبُ الأَفْرادِ تَقْديمُ الحَياةْ
يا بَني أُمِّي الغَطاريفَ الكُماةْفَلْنَمُتْ طَوْعًا لأَمْر الواجِباتْ
حَبَّذا المَوْتُ إذا عاشَ الوَطَنْ

وفاته

تُوفِّي بَدْري فَرْكُوح ليلَ الأربعاء، 14 آب/أغسطس 1940 ميلاديًا الموافق 11 رجب 1359 هجريًا. وقد نَعاه صاحبُ جريدة السَّمير الأديب والشاعر المهجري إيليا أبو ماضي في جريدته في اليومَ التالي ناعِتًا إيَّاه بالشاعر والأديب الرَّفيق والصَّديق الكريم، كما رثاه بقصيدةٍ مُوجِعة، قال فيها:

أَتَيْنا لِكَيْ نَبْكي صَديقًا فَقَدْناهُ
أَضَعْنا الأَديبَ الحُرَّ لَمَّا أَضَعْناهُ
عَلَى رَجُلٍ حُلْوِ الخِصالِ مُهَذَّبٍ
إلى الخَيْرِ مَغْداهُ وَلِلْخَيْرِ مَمْساهُ
عَلَى شاعِرٍ قَدْ شادَ دُنْيَا جَميلَةً
وَعاشَ سَعيدًا في فَراديسِ رُؤْياهُ
وَشاءَ القَضا أَلَّا تَدُومَ لَذاذَةٌ
فَشَوَّهَ دُنْيَانا، وَقَوَّضَ دُنْيَاهُ
فَلَهْفي عَلى قِيثارةٍ قَدْ تَحَطَّمَتْ
وَشَدْوٍ سَمِعْناهُ، وَلَحْنٍ حَفِظْناهُ
وَيا حُرْقَةَ الإِخْوانِ وَالأُمِّ بَعْدَهُ
إذا لاحَ نَجْمٌ كانَ بالأَمْسِ يَرْعاهُ
وَإِنْ سَمِعُوا هَمْسَ النَّسائِمِ في الدُّجَى
وَلم يَسْمَعُوا هَمْسَ الحَبيبِ وَنَجْوَاهُ
وَإِنْ قَصَدَ الأَصْحابُ مَغْناهُ مَرَّةً
وَلَمْ يَجِدُوا مَنْ كانَ بَهْجَةً مَغْناهُ
وَإِنْ قامَ سَبْقٌ لِلقَوَافي بِحَوْمَةٍ
وَلم تَجْرِ في ذاكَ السِّبَاقِ مَطاياهُ
وَيا وَحْشَةَ الأَطْفالِ إِنْ أَقْبَلَ المَسا
وَلم يَنْظُرُوا «بَدْري» يُجِيءُ وَإِيَّاهُ
وَإِنْ مَرَّ طِفْلٌ مَعْ أَبيهِ أَمامَهُمْ
وَهُمْ وَحْدَهُم إِلَّا هَواهُ وَذِكْراهُ
ويا حَيْرَةَ الأُمِّ الجَريحِ فُؤادُها
إِذا سَأَلُوا: فِيمَ وَكَيْفَ فَقَدْناهُ
لِماذا جَفانا وَهْوَ أَكْرَمُ وَالِدٍ
وَماذا جَنَيْنا كَيْ يُعاقِبَنا اللهُ
فَتُطْرِقُ حَيْرَى وَالأَسَى في ضُلُوعِها
عَلَى قَمَرٍ قَدْ صارَ في التُّرْبِ مَثْوَاهُ
وَتَسْتُرُ بالكَفَّيْنِ عَنْهُمْ دُمُوعَها
وَتَسْكُتُ وَالأَحْشاءُ تَصْرُخُ أَوَّاهُ
بَكَيْتُ عَلى «بَدْري» وَعاوَدَني النُّهَى
فَنَهْنَهْتُ قَلْبي أَنْ يُواصِلَ شَكْوَاهُ
وَقُلْتُ لَهُ: مَهْلًا فَما زالَ بَيْنَنا
أَلَسْتَ تَرَى في كُلٍّ بَدْرٍ مُحَيَّاهُ؟
أَلَسْنا مَتَى نَغْشَى الحَدائِقَ في الضُّحَى
نَرَى لُطْفَهُ فِيها وَنَنْشَقُ رَيَّاهُ
بَلَى وَإذا غَنَّى هَزارٌ فَإِنَّما
يُغَنِّي بِشِعْرٍ قالَهُ أو بِمَعْناهُ
ولا بِدْعَ أَنْ تَبْكي الزُّهُورُ لِمَوْتِهِ
فَقَدْ كانَ يَهْواها كَثيرًا وَتَهْواهُ
فَيا آلَ فَرْكوحٍ وَأَنْتُمْ ذَوُو النُّهَى
عَزاءً، فِإِنَّ الصَّبْرَ تُحْمَدُ عُقْباهُ
لَئِنْ غابَ «بَدْري» لم يَزَلْ في قُلُوبِنا
تَشِعُّ كَأَنْوارِ الصَّباحِ سَجاياهُ
ضَحايا الرَّدَى مِنْ قَبْلُ مَنْ ذا يَعُدُّها
وَنَحْنُ وَإِنْ عِشْنا غَدًا مِنْ ضَحايَاهُ

مؤلفاتُه

له كتاب بعنوان "قيثارة الشباب"، جمع فيه بعضًا من نثره وشعره، وقد صدرَ هذا الكتابُ سنة 1929 ميلاديَّة. وفضلًا على ما اشتمل عليه الكتابُ من مقالاتٍ نَثْريَّة وقصائد باللغة العربيَّة، فقد ضمَّ عددًا من القصائد باللغةِ الإنكليزيَّة. وتشير بعضُ المصادر إلى أنّ له ديوانًا منفصلًا باللغة الإنكليزية، لم يُعثّر عليه.

بعضٌ من قصائده

في حَديقَةِ الغُرُوب

يا رَعَى اللهُ رَوْضَةً غَنَّاءَ
كُنْتُ أَغْشَاها في بُرُوكلنْ مَساءَ
أَتَمَلَّى مِنَ الطَّبيعَةِ حُسْنًا
سِيَّما زادَهُ الغُرُوبُ سَناءَ
فَوْقَ تِلْكَ الرُّبَى جَعَلْتُ مُكُوثي
بَيْنَ زِهْرٍ قَدْ عَطَّرَ الأَرْجاءَ
وَنَسِيمٍ يُداعِبُ الصَّدْرَ لُطْفًا
يُسْكِرُ القَلْبَ رِقَّةً وَنَقاءَ
وَظِبَاءٍ بَيْنَ الخَمائِلِ تَرْنُو
وَالفَتَى لا يَنْفَكُّ يَهْوَى الظِّبَاءَ
وَأَمامي اليَمُّ الجَميلُ وَفيهِ
سُفُنٌ مِنْ نُورٍ تَشَقُّ المَاءَ
مازَجَ الأُفْقُ زُرْقَةَ الماءِ حَتَّى
عانَقَ البَحْرُ القُبَّةَ الزَّرْقاءَ
وَنيُويركٌ تجاهَ عَيْني أَمْسَتْ
تَتَهادَى بِحُسْنِها خُيَلاءَ
تَتَجَلَّى بِحُلَّةٍ مِنْ ضِيَاءٍ
ما أُحَيْلَى في الظُّلْمَةِ الأَضْوَاءَ!
وَبِناياتُها الرَّفيعَةُ تَبْدُو
فَتُحَاكِي الكَوَاكِبَ الزَّهْراءَ
«سِنْجرٌ» تَزْدَهِي وَ «لَوْرَثُ» تَسْمُو
بِذُراها، تُشَارِفُ الجَوْزاءَ
مَنْظَرٌ يَشْرَحُ الصُّدُورَ جَمالًا
يُفْعِمُ القَلْبَ بَهْجَةً وَهَناءَ
مَنْظَرٌ يَرْفَعُ النُّفُوسَ، فَأَنْعِمْ
بِهِ لِلْقَلْبِ وَالدِّماغِ غِذاءَ
إِنَّ رَوْضَ الغُرُوبِ أَجْمَلُ رَوْضٍ
هُوَ أَبْهَى سَنًا، وَأَنْقَى هَوَاءَ
كَمْ تَمتَّعْنا بِالطَّبيعَةِ فِيهِ
وَاتَّقَيْنا بِدَوْحِهِ الرَّمْضَاءَ!
مَعْهَدٌ تَلْتَقي الأَحِبَّةُ فِيهِ
وَخَلاءٌ لِمَنْ يُحِبُّ الخَلاءَ

سُوريَّة

ما لِي وَما لِلْحَرْبِ في المَكْسيكِ
وَمُفاوَضاتِ السِّلْمِ بَيْنَ مُلُوكِ
ما لِي وَشْأنُ مُدَرَّعاتِهمُ التي
أَمْسَتْ تَشُقَّ عُبابَ الأَتْلَنْتيكِي
ما لِي وَشْأنُ تَمَرُّدِ العُمَّالِ في
تِلْكَ المَناجِمِ وَالدَّمِ المَسْفُوكِ
ما لِي وَشْأنُ المُعْدَمينَ كُروكفلَرْ
وَزَميلِهُ مُورْغانَ أَوْ كَرْنيكي
ما لِي وَشْأنُ الصِّرْبِ أو بُلْغاريَا
وَأَسُوجَ أو نَرُوجَ وَالبَلْجيكِ
ما لِي وَشْأنُ الأَرْضِ طُرًّا، إنَّني
لِي بُقْعَةٌ فِيها بِدُونِ شَريكِ
في الشَّرْقِ لا في الغَرْبِ، مَرْكَزُها لِسُو
رِيَّا، وَفي أَحْشائِنا نَحْويكِ
عَبَثًا أَقُولُ الشِّعْرَ فيكِ، فَكَمْ وَكَمْ
قَبْلِي مِنَ الشُّعَراءِ قالُوا فيكِ!
كَمْ أَكْثَرُوا فيكِ التَّغَزُّلَ وَالهَوَى!
وَالْبَعْضُ مِنْ يَأْسٍ غَدَا يَرْثيكِ
نَظَمُوا القَصائِدَ في رِثائِكِ إِنَّما
ماذا تُرَى هَذا الرِّثا يُجْديكِ؟
ما أَكْثَرَ القَوْمَ الذينَ تَطَوَّعُوا
لِلذَّوْدِ عَنْكِ بِقَوْلِهِمْ: نَفْديكِ!
كُلُّ المَشاكِلِ قَدْ تَيَسَّرَ حَلُّها
إِلَّا اخْتِلافُ الأَمْرِ بَيْنَ ذَويكِ
وَاسْتَيْقَظَتْ كُلُّ الشُّعُوبِ وَأَدْرَكَتْ
غَرَضَ الرُّقِيِّ، وَلم يَفِقْ أَهْلُوكِ
وَالخافِقانِ تَعانَقا وَتَمازَجَتْ
أَمْواجُ أَتْلَنْتِكَ بالبَسْفِيكي
وَبَنُوكِ ما اتَّحَدُوا، وَإنِّي لا أَرَى
إِلَّا بِذَا البَيْتِ اتِّحادُ بَنِيكِ
جَمْعِيَّةٌ هِيَ مِنْ بَنيكِ وَكُلُّهُمْ
لَكِ كُلَّ ما في قَلْبِهِ يَحْبُوكِ
في صَدْرِهِ نارُ المَروءَةِ تَلْتَظي
سِعْيًا وَراءَ تَقَدُّمٍ يُعْلِيكِ
صانَتْكِ سُورِيَّا صُرُوفُ الدَّهْرِ في
عِزٍّ، وصانَتْ أَرْزَةً تَحْميكِ

الثَّلْج

نائِمٌ وَالرُّوحُ طارَتْ تَبْتَغي
نَيْلَ ما تَهْواهُ فـي حُلْمٍ طَويلْ
وَإِذا بالثَّلْجِ يَهْمِي قارِعًا
بِحَصـى الـماسِ كُوَى بَيْتي الظَّليلِ
أَثْلَجَتْ، لكِنَّها ما أَثْلَجَتْ
مُهْجَةَ الصَّبِّ وَلا أَرْوَتْ غَليلْ
أَثْلَجَتْ فَائْتَزَرَ العالَمُ فـي
مِئْزَرٍ أَنْقَى مِنَ الخَدِّ الأَسِيلْ
أَثْلَجَتْ فـي الأَرْضِ، لكِنْ أَضْرَمَتْ
فـي فُؤادِي نارَ حُبِّي لِلجَميلْ

المراجع

  1. ^ تاريخ حِمْص، مُنير أَسْعَد عيسَى، الجُزْء الثَّاني، مُطْرانيَّة حِمْص الأَرْثوذكسيَّة، 1984 م.

المراجع كاملةً

  • ديوان الشاعر المهجري بَدْري فَرْكوح، جمعه وقدّم له واعتنى به: د. حسّان أحمد قمحية، الطبعة الثانية، دار الإرشاد، حمص، سوريّة، 2020 م.
  • جريدة السائح المهجرية، لعبد المَسيح حدَّاد.
  • جريدة السمير المهجرية، لإِيليَّا أبو ماضي.
  • زَفَراتُ القُلُوب لِفَقْدِ الرَّاعي الصَّالِح المَحْبوب، الخُوري عيسَى أَسْعَد، مَطْبعة السَّلامَة، 1923 م.
  • "لمحة عن كتاب: ديوان الشاعر المهجري بَدْري فَرْكوح". مؤرشف من الأصل في 2023-03-19. اطلع عليه بتاريخ 2022-03-18.

وصلات خارجية